الحديث عن فهرسة المخطوطات في المغرب يستوجب الحديث أولا عن مصادر هذه المخطوطات وعن الطرق المختلفة التي عملت على تجميعها نسخا واستنساخا وتأليفا وترجمة واقتناء إلى أن أصبحت هذا الرصيد الغني الذي تزخر به مكتباتنا والذي جعل المغرب الأقصى قبلة الباحثين من جميع الأصقاع بحثا عن نوادر المخطوطات التي قد يعز نظيرها في جهات أخرى.
إن هذا التراث المحفوظ اليوم في المغرب في مختلف خزاناته يعتبر شاهدا صريحا على اندماج بلد البرابر في الحضارة العربية منذ القرون الإسلامية الأولى. ولم يكن من المصادفة في شيء العثور في مسجد خزانة بزو وهي مدينة صغيرة على جبال الأطلس على النسخة الوحيدة في العالم لكتاب "البرصان والعرجان والعميان والحولان" لعالم البصرة الكبير أبي عثمان الجاحظ(1). وعلى الرغم من قلة الأخبار والمعلومات عن خزانات الكتب في مصادر التاريخ والتراث بالمغرب فإنه كان للكتاب مكانته في هذا البلد.
إن المسافة الجغرافية والثقافية التي تفصل بين المغاربة والشرق الذي يعتبر منبع حضارة الكتابة تحث هؤلاء المغاربة على إعطاء الكتب وكل شيء مكتوب عناية ومكانة شبه مقدسة تتجلى من خلال حركة الشيوخ الذين ينحدرون لجمع ورقة مطبوعة أو مخطوطة تعترضهم في طريقهم وحفظها في حفرة أو ثقبة حائطية حتى لا تدوسها أقدام المارة.
نلاحظ أن اهتمام المغاربة بالكتاب قديم وتقديسهم للورقة المكتوبة عريق. فلا غرابة إذن في كون المغرب يحتضن خزانات تضم أهم الأرصدة المحفوظة في مختلف بلدان الغرب الإسلامي بأكمله.
وإذا أردنا أن نعطي فكرة عن رصيد التراث العربي المخطوط في المغرب في الوقت الراهن فلا بد من الحديث ولو باختصار عن حالة هذا الرصيد في العصور السابقة. إن طبيعة المخطوطات في المغرب في العصور الأولى وحتى العهد المرابطي لا تكاد تختلف عن طبيعة المخطوطات في المشرق.
كل المعلومات التي أمكن استقاؤها - على ضآلتها - تنبئ بأن معظم الكتب كانت عبارة عن مصاحف قرآنية وكتب فقه وحديث، ويدلنا على هذا تلكم الأخبار المتعلقة باهتمام أمراء الدولة المرابطية بالفقه المالكي، ودعوة الفقهاء إلى وضع كتب الفروع المتعلقة بهذا المذهب.
ولم يكن لكتب المعارف الأخرى، خاصة كتب الفلسفة والتصوف، مكان في الخزانة المغربية، بل يعاقب عقابا صارما من وجدت عنده هذه الكتب.
يقول المراكشي في "المعجب": "ولم يكن يقرب من أمير المسلمين ويحظى عنده إلا من علم علم الفروع، أعني فروع مذهب مالك، فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب وعمل بمقتضاها ونبذ ما سواها…. و دان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام. وقرر الفقهاء عند أمير المسلمين تقبيح علم الكلام وكراهة السلف له وهجرهم من ظهر عليه شيء منه وأنه بدعة في الدين… فكان يكتب عنه في كل وقت إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شيء منه وتوعد من وجد عنده شيء من كتبه"(2).
لم تعرف الخزانة المغربية إذن تغييرا في محتوياتها حتى بداية القرن السادس الهجري الذي عرف نهاية المرابطين. ولكن مع بداية الموحدين الذين كانوا أكثر تفتحا من سابقيهم بدأت كتب الفلسفة والتصوف تجاوز كتب الفقه والحديث والتفسير في الخزانات الخاصة والعامة، وليس أدل على هذا من ظهور أكبر صوفية المغرب في هذا العهد ووضع أكبر التآليف وأشهر شروح كتب فلسفة الإغريق. بإيعاز من عبد المؤمن، وضع أبو مروان عبد الملك بن زهر كتاب "الأغذية". وبدعوة من أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن الموحدي، وضع الفيلسوف ابن رشد شروحه لمؤلفات أرسطو. وفي هذا العهد كذلك ألف ابن الزيات التادلي كتاب "التشوف إلى رجال التصوف" الذي يعتبر أكبر مؤلف عن صوفية المغرب في العصر الوسيط(3).
أما في العهد المريني، فإن كل علوم العصر قد درست وألف فيها. ففي جامع القرويين يدرس – إلى جانب الفقه والتفسير – علوم الرياضيات وعلم الفلك وعلوم أخرى مشابهة. وقد جلبت أو نسخت كل المؤلفات التي تعالج هذه العلوم مما زاد رصيد المخطوطات في المغرب تنوعا وغنى وحفز العلماء والوجهاء والملوك إلى البحث عن المخطوطات واقتنائها مهما كان الثمن. إنه العهد الذي عرف خلاله المغرب أكبر العقول وأهم الكتب في التاريخ والحضارة. ولم تكن عهود الشرفاء السعديين والعلويين بأقل اهتماما من هؤلاء بجمع الكتب ونسخها واستنساخها وجلبها من جميع الجهات.
كان المنصور الذهبي السعدي –مثلا- يأتي بالكتب من إصطنبول والقاهرة وشبه الجزيرة العربية وغيرها من البلدان، وكانت أكبر وأفخر هدية يتلقاها من سفرائه وأقربائه ووزرائه، تلكم التي تكون عبارة عن كتاب مخطوط أو كتاب نادر أو مصحف يحتفظ به في خزانته.
ومما يدل على اهتمام الملوك العلويين بهذا الجانب هو كون جلهم علماء شاركوا في البحث والتأليف والترجمة(4) وقد أسسوا الخزانات التي لعبت أكبر الأدوار في الحفاظ على هذا التراث ووضعوا على رأسها عالما أو قاضيا أو ربما وزيرا، كما صنع المولى إسماعيل حين عين على رأس خزانته الخاصة الوزير اليحمدي. هذا الاهتمام هو الذي جعل الخزانة المغربية في الوقت الحاضر من أهم خزانات العالم غنى بالمخطوطات وحفاظا على أصولها ونفائسها.
وبالإضافة إلى ذلك، يعتقد الباحثون في مجال المخطوطات أن المغرب يحتفظ في بعض الخزانات العامة، وربما ضمن الأرصدة التي لم تفهرس بعد وكذلك في خزانات أخرى خاصة، كتب الإغريق واللاتين التي نقل بعضها إلى العربية والتي لا توجد في أي بلد عربي آخر. ومما يدل على هذا هو اهتمام الباحثين الأوروبيين بهذه الكتب وبحثهم عنها في بلاد المغرب. لقد أصبح المغرب في نهاية القرن التاسع عشر تقريبا البلد العربي الوحيد الذي لم تطأ أرضه بعد أقدام المستعمر، فاعتبارا لهذه الوضعية السياسية ونظرا لاهتمام المغاربة بالكتاب أصبح المغرب كعبة الباحثين الذين يسعون إلى الحصول على ما تعذر العثور عليه من مخطوطات عربية ومترجمة.
إن عددا من الوثائق التاريخية التي نشر بعضها هنرى دو كستري في كتابه: "المصادر الدفينة لتاريخ المغرب"، تؤكد ما ذكرناه سلفا، وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن الباحث الشرقي "باي العباسي"(5) قد قدم إلى المغرب وقضى وقتا طويلا في خزانة جامع القرويين يبحث عن عشريـات تيتوس ليفوس (Tite live) الذي يعتبر محفوظا في إحدى خزانات هذا البلد، وعلى الرغم من عدم العثور عليه في ذلك الوقت فإن المستشرق ليفي بروفنسال الفرنسي(6) الذي بحث بدوره عن عشريات المؤرخ اللاتيني أكد من جهته أن المؤرخ ابن خلدون قد قرأ هذا الكتاب في ترجمته الكلية أو الجزئية إلى العربية واستقى منه الأخبار المتعلقة بواقعة "كان" (Cannes)، التي جرت سنة 216 قبل الميلاد وهزم خلالها القرطاجنيون بزعامة "هانيبال" عساكر الرومان برئاسة "فارون".
وإذا خلت اليوم المكتبات العمومية المغربية من هذه المخطوطات، فهذا لا يعنى أنها غير موجودة أو أنها فقدت إلى الأبد، بل إنه من شبه المؤكد أنها آلت إلى خزانة من خزاناتنا الخاصة العديدة التي لا تزال مجهولة(7) والتي تضم بلا شك في خباياها أرصدة هائلة من المخطوطات تكاد تفوق ما هو محفوظ ومفهرس ومتداول في مختلف الخزانات العامة.
إن هذا التراث الغزير الذي تجمع لدى المغاربة منذ العصور الإسلامية الأولى قد حفظته وصانته مكتبات مختلفة يمكن حصرها في أنواع ثلاثة: المكتبة الملكية، والمكتبات الخاصة، والمكتبات العامة. وقد لعبت كلها دورا بارزا في حفظ وتنظيم هذه الحصيلة الحضارية التي أفادت الباحثين مستشرقين وعربا في الوقوف على معالم الثقافة والحضارة العربية الإسلامية في المغرب.
إن الخزانة الملكية التي تعتبر أول مؤسسة تفصح عنها كتب التاريخ والحضارة قد عملت على نسخ المخطوطات واستنساخها وترجمتها إلى لغة الضاد فتجمع لديها ذلك الرصيد الذي جعل منها، كما قلنا سابقا، أهم خزانة في الغرب الإسلامي بأكمله. فبصدد حديثه عن الحركة الثقافية على عهد الأدارسة يخبرنا أبو عبيد البكري في المسالك والممالك أن عددا كبيرا من العلماء والأدباء، أندلسيين ومغاربة، قصدوا بلاط الخليفة الإدريسي يحيى الرابع وأن كثيرا من الوراقين كانوا يعملون بخزانة القصر ينسخون الكتب. "... إنه كان ينسخ له عدد من الوراقين"(8).